زكريا القزويني

469

آثار البلاد واخبار العباد

فإني جئت بغمّ كثير . وحكي أنه استقرض شيخ القرية من فخر المعالي شيئا من الحنطة ، فقال فخر المعالي : ابعث إليك . فبعث إليه أحمالا من البعر ! فلمّا كان وقت النيروز وعادتهم ان الاكرة يحملون إلى الدهخدا هدايا ، من جملتها سلال فيها أقراص مدهونة وكليجات وجرادق ، فبعث شيخ القرية في السلال أقراصا من السرجين ، فلمّا رآها فخر المعالي غضب . قال له شيخ القرية : يا مولاي ، لا تغضب ، انها من الحنطة التي بعثتها إليّ ! ولهم مثل هذا تظارف كثيرة يعرفها أهل قزوين وبهذا مقنع . النّعمانيّة بليدة بين بغداد وواسط ، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات ، ولها قرى ورساتيق . بناها النعمان بن المنذر بن قيس بن ماء السماء . سكنها زمانا رافىء الحال فارغ البال في أيّام الأكاسرة إلى أن قضى اللّه تعالى ما شاء . وصلت ذات مرّة إليها فنزلت في جامعها ، فاجتمع علينا من النمل الكبير الأسود شيء كثير ، فقال بعض أهلها : نصف البلد هكذا ، والنصف الآخر لا يوجد فيه شيء منها . وحكي أن النعمان كان له صاحبان : أحدهما عديّ بن يزيد العبادي . والآخر الربيع بن زياد . والربيع كان أقرب إليه حتى كان يأكل معه في قصعة واحدة ، فحسدهما الحاسدون . أمّا الربيع فرموه بالبرص لأن النعمان كان شديد التنفّر من البرص . كتبوا إليه : يا ابن الملوك السادة الهبنقعه ، الضاربين الهام تحت الخيضعه ، مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه ! ان استه من برص ملمّعه ، وانّه يدخل فيه إصبعه . كأنّه يطلب شيئا ضيّعه ! فأبعده النعمان وتنفّر منه أشدّ التنفّر ، فقال الربيع : أبيت اللعن ! لا تسمع كلام الأعداء وقل لمن يبصرني ويجرّبني ! فقال النعمان :